الشنقيطي
294
أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن
الوجه الثاني : أن نقول لمن قال : بينوا لنا كيفية لليد ملائمة لما ذكرتم ، من كونها صفة كمال ، وجلال ، منزهة عن مشابهة جارحة المخلوق . هل عرفت كيفية الذات المقدسة المتصفة باليد ، فلا بد أن يقول : لا . فإن قال ذلك . قلنا : معرفة كيفية الصفات تتوقف على معرفة كيفية الذات . فالذات والصفات من باب واحد . فكما أن ذاته جل وعلا تخالف جميع الذوات ، فإن صفاته تخالف جميع الصفات . ومعلوم أن الصفات ، تختلف وتتباين ، باختلاف موصوفاتها . ألا ترى مثلا أن لفظة رأس كلمة واحدة ؟ إن أضفتها إلى الإنسان فقلت رأس الإنسان ، وإلى الوادي فقلت رأس الوادي ، وإلى المال فقلت رأس المال ، وإلى الجبل فقلت رأس الجبل . فإن كلمة الرأس اختلفت معانيها ، وتباينت تباينا ، شديدا بحسب اختلاف إضافتها مع أنها في مخلوقات حقيرة . فما بالك بما أضيف من الصفات إلى اللّه وما أضيف منها إلى خلقه ، فإنه يتباين كتباين الخالق والمخلوق ، كما لا يخفى . فاتضح بما ذكر أن الشرط في قول المقري في إضاءته : * والنص إن أوهم غير اللائق * شرط مفقود قطعا ، لأن نصوص الوحي الواردة في صفات اللّه ، لا تدل ظواهرها البتة ، إلا على تنزيه اللّه ، ومخالفته لخلقه في الذات والصفات والأفعال . فكل المسلمين ، الذين يراجعون عقولهم ، لا يشك أحد منهم في أن الظاهر المتبادر السابق إلى ذهن المسلم ، هو مخالفة اللّه لخلقه ، كما نص عليه بقوله لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ [ الشورى : 11 ] وقوله وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُواً أَحَدٌ ( 4 ) [ الإخلاص : 4 ] ونحو ذلك من الآيات ، وبذلك تعلم أن الإجماع الذي بناه على ذلك في قوله : * فاصرفه عن ظاهره إجماعا * إجماع مفقود أصلا ، ولا وجود له البتة ، لأنه مبني على شرط مفقود لا وجود له البتة . فالإجماع المعدوم المزعوم لم يرد في كتاب اللّه ، ولا في سنة رسوله ، ولم يقله أحد من أصحاب رسول اللّه ، ولا من تابعيهم ولم يقله أحد من الأئمة الأربعة ، ولا من فقهاء